محمد العباس
عندما يتعلق الأمر بالرواية الأولى، يعمد أغلب الروائيين إلى التشبه بمجرم
بارامنديس، الذي يزرع من الأدلة في مسرح الجريمة ما يوحي برغبة شعورية في الإعتراف
بجرمه، ومساعدة القضاء على إكتشافه والتعريض به، وهو أمر يبدو على درجة من الوضوح
في الرواية المحلية، حيث تكتظ أغلب الروايات بحقائق مكانية وزمانية وشخصية أشبه ما
تكون بتلك الأدلة التي تحيل إلى شخص منتجها، وإلى تطابق شبه تام بين الروائي
والراوي رغم الإنكار المتواصل لهذه الحقيقة من جانب الروائيين، ورغم مكابرة البعض
قبالة الخطاب النقدي القادر على افتضاض هذه المكامن، بما يعني الإصرار على
الإستبراء من حقيقة الفعل الروائي، والسخرية من المقروئيات التي تقوم على جمالية
متقدمة من التلقي.
ويبدو أن الاعتراف بسيرية العمل الروائي بات يشكل حالة رهابية عند أغلب الروائيين
لأسباب على درجة من التشابك الموضوعي والذاتي، رغم أن كليف جيمس قد أوجد مخرجاً
جمالياً لهذه الورطة مفاده أن التقنع بقناع داخل السيرة الذاتية يعني الاتكاء على
ما تختزنه الذاكرة، وليس تسجيل الحياة الشخصية لكاتبها، وهو إمتياز أدبي على صلة
بأصالة الروح الفردانية يفترض بالروائي أن يتبناها كنزعة اعتقادية تتجاوز محدودية
الأحاسيس الذاتية. ولكن يبدو أن معظم الروائيين لا يدركون هذه الحقيقة التي قد تجعل
من نصهم الروائي حالة من حالات الإمتداد العضوي لمعتقداتهم وخبراتهم الحياتية.
القراءة المعمقّة لبنية الشخصيات الروائية تفصح في الغالب عن توزيع متعمد لشخصية
الروائي داخل تلك الشخصيات المتباينة والمتعددة، كما يحلل فورستر، وأن يعلن الروائي
براءته من معتقدات أبطاله فهذا يعني استعارته المجانية لتلك الحيوات من خبراته
القرائية وليس الحياتية، أو عدم إدراكه لمعنى وجود ضمير أو روح لروايته يتلبس فيها
البطل شيئاً من شخصيته، كما يشهد بذلك تاريخ الرواية، إذ ليس بمقدور الروائي
الإقامة خارج روايته، والتنصل من تبعاتها، والقاء تبعات الكتابة الروائية بمجملها
على شخصية افتراضية تتحمل عبء المساءلة الفكرية والشعورية.
هكذا تبدو العبارات الاستدراكية في بداية بعض الروايات مضحكة ومثيرة للسخرية، فأن
يعمد الروائي إلى التنبيه بعدم المطابقة بين نص الروائي وبين ما يمكن أن يتقاطع معه
من حقائق معاشة، إنما يعني إقامته الساذجة داخل حالة من حالات الإنكار التقريري،
والأكثر إثارة للأسى هي تلك الأسماء الغرائبية المنبتة عن أي صلة مكانية أو زمانية،
التي ينحتها الروائي بصعوبة بالغة لتجنب التماس بأي دلالة عائلية أو قبلية أو
مذهبية، فيما يبقي على إلماحة شخصية، وكأنه بذلك التملص الشكلي، أو المغالاة في
التمويه بمعنى أدق، قد إنسل من " أناه " المخترعة، وتمكن من خداع القارئ بميثاق
سيرة مزيف.
مثل هذه الالتفافات المتكلفة، التي يبديها بعض الروائيين لتعطيل الأتوبيوغرافيا
الروائية بوعي أو لا وعي، وإن كانت تشير إلى خوف من التصادم مع المحذور الإجتماعي،
إلا أنها تعني فيما تعنيه إفراغ الفعل الروائي من مهمته الهدمية البنائية، والتشكيك
في نوايا وإمكانات الذوات الروائية التي تنتج رواياتها في مجتمع آخذ في التغير،
وتدرك بالتأكيد تلك الذوات أهمية إسهامها في ذلك التغير، وبالتأكيد تجعل من الرواية
في نهاية الأمر مجرد لعبة لغوية أو محاولة للتفلسف والتعريض بمعتقدات فصيل إجتماعي
لا أكثر.
آخر فصل من فصول مسرحية الإنكار المزمنة في الرواية المحلية هو محاولة ابراهيم بادي
للتبرؤ من شخصية ( إيهاب ) بطل روايته " حب في السعودية " رغم وفرة الأدلة التي تشي
بتطابق حاد الحواف بين الروائي والراوي، فيما يبدو محاولة للتشويش مرة أخرى على
مهمة النقد التي لا تكمن في فضح حالات التماهي وتصيد الإسقاطات وكل ما يتداعى في
القاموس النفسي، ولكنها تتجلى في تصعيد بؤر التوتر في النص، واستثمار المنعطفات
التقنية والموضوعية في الكتابة، وهكذا تم التعامل مع شخصيات فؤاد الطارف، سهيل
الجبلي، هشام العابر، زاهي الجبالي، التي تحمل كل واحدة من هذه الشخصيات مظهراً
صريحاً من مظاهر منتجيها، رغم محاولات طمرها تحت وابل من المراوغات.
من الثقافة أن يتعلم الروائيون من بروست مثلاً الذي زرع زمنه الضائع بأدلة نسائية
كثيرة، ولم يعلن براءته منها يقدر من نضدها في متخيل سردي اختصره في عبارته الخاطفة
" دعوا النساء الجميلات للرجال العاجزين عن التخيل " رغم سخريته المتكررة من النقد
الذي يبالغ في تأوين الروائي داخل روايته، على اعتبار أن منتج الرواية هو ذات أخرى
مغايرة وغير متطابقة مع الروائي نفسه. ومن منطلق التسمية الصريح هذا يفترض أن يتوقف
الروائيون عن استغفال القارئ، والدخول معه في حالة حوارية تعيد له الإعتبار كعنصر
فاعل في تطوير الفعل الروائي، فقد بات المشهد بعد كل ذلك السيل المتوالي من
الروايات المستعجلة على موعد مع قارئ أكبر وأوعى من الروائي لا يبتعد كثيراً عن
الروائي في تقاسم أسرار الحياة الداخلية المشتركة، ويفترض أن يحتسب الروائيون له
حساباً داخل وخارج الرواية، والكف عن لعبة إماتة الروائي وإحياء الراوي.