إبراهيم بادي لـ "الرياض": لم أعمل على "حب في السعودية" ثلاث سنوات، كي تكون مجرد "رواية أولى"

 

  جريدة :   الاقتصادية   العدد :     بتاريخ :   06 / 02 / 2007

حب في السعودية .. واقعية فظّة 2



محمد العباس

النشاط الجنسي خارج مؤسسة الزواج مثلاً، أو ما يسميه إيان وات الصفة " الزناوية " هي قيمة على درجة من الحساسية موضوعياً، والثراء فنياً. وقد راهن عليها كثيراً كثيمة صادمة، كما مارس عليها شيئا من التصعيد الوصفي وليس التحليلي، كركيزة لتحريك مكامن نصه، وكأن ( الدونجوانية ) أو الانفعال بالجسد بمعنى أشمل، هو النسق العلوي الناظم لكل عناصر روايته، من خلال شخصياته المنزلقة ( ايهاب - فاطمة - خالد - علوة - هتون - منال ) حيث ذهب بها إلى إبتذالية بلا قاع، وكأنه أراد بذلك الفعل الجنسي المتعاظم تأوين شخصياته المضطربة في مهاد حسي كما يفترض في الحيوات التي تعيش ارتجاجاتها الوجودية على خلفية ظروف اجتماعية حادة وسريعة التحول، حيث شكلت مظاهر الحياة الحديثة، كمطاعم الوجبات السريعة، وبيئة العمل المختلطة، ووسائط الاتصال الالكترونية الحديثة خلفية مثالية لاحتضان شخصيات عصية على الاستقرار إلا على حواف الجسد.

ولكن رغم كل ذلك التمادي في استزراع نصه بشخصيات منفلتة، ليس بمقدوره الزعم بأنه أول من اخترعها، فقد تم تداولها في جملة من الروايات المحلية كإشارة على حالة من حالات الحب، وما يميزها في رواية ابراهيم بادي، هو تلك الوفرة من الاستيهامات التي اتخذت مواقعها المختلفة في السيارات والمطاعم والمخادع الإجتماعية الحصينة، والتي تم بموجبها تقويض حتى عنوان الرواية، إذ لا يتوفر من الحب ما يوازيه من الهوس الجنسي، لولا التماعات محدودة بين ايهاب وفاطمة، بمعنى أن المسافة ما بين الايروتيكي والبورنوغرافي لم تكن واضحة أو مدروسة بما يكفي في وعيه كراوٍ، فقد كان يحاول تجاوز مفهوم الحب عند رجاء الصانع، ومحمد حسن علوان، ورجاء عالم، وليلى الجهني، من خلال شخصية دونجوانية موبوءة باشتهاء انطولوجي لا حد له.

الحب الرومانسي صيغة من صيغ التكيف الواعي والعميق مع الواقع الاجتماعي بكل أبعاده الأخلاقية والإعتقادية، فهو وثيق الصلة بالتصورات البيوريتانية، ويعمل في الغالب بمثابة كاشف للطبقية الإجتماعية، ومدمر لكل صور البطرياركية، بمعنى أنه الفعل الإنساني المعادل لإرادة الحياة، وقد أراد ابراهيم بادي تحميل بطله ايهاب الطاقة الأصيلة لفعل المصادمة ذاك، والانعطاف بالأعراف والتقاليد، كتعبير عن الفردانية، بما هي أقصى صور التجلي الجمالي والإعتقادي للذات، لكنه كان أميل إلى توظيف تداعيات اليومي والآني على حساب القيمة التاريخية لطبيعة الصراع التي يتصدى فيها وبها الحب لفعل التحول.

ويبدو أن رغبته في الإتكاء على المكوّن العاطفي جاءت لتصعيد الفكرة الجمالية للرواية إلى مستوى التفلسف، أي تشريح التاريخ الاجتماعي من خلال كفاءة أدبية قاطرتها اللغة، وتشكيل قاموس وثيق الصلة بدلالات الحالة، أو هكذا تبدت كثافة التواطؤ الاجتماعي داخل روايته على توسيع هامش العلاقات المحرّمة، التي لا تعكس حقيقة التراكم من الصراع الاجتماعي داخل منظومة القيم، بقدر ما تشير إلى جرأة منبتة عن أصولها النفسية والاجتماعية، وربط كل ذلك التجرؤ بطبقة أو شريحة أو حتى لحظة زمنية تخل بحقيقة الموازين الاجتماعية، وتفقد الرواية روحها. وهو أمر استشعره الراوي وأقرّ به من خلال عبارات كثيرة أوضحها ربما " أنا لا أكتب رواية تستحق أن تقرأ. أنا أفضح فقط ".

ولا شك أن الذوات التي تبدي استعدادها للانزلاق إلى الأسفل واختراق التابوات، هي ذوات روائية غنية ومحفزة على تحريك النص الروائي، أما التقاطها من مجرى الحياة وتقديمها في قالب روائي فيتطلب حساسية عالية، إذ لا يفترض حبسها في صيرورة اللحظة، أو تحميلها كل طاقة السرد، خصوصاً في الرواية الحديثة التي تتعامل مع مفهوم البطولة كنهر من الشخصيات المتكاملة والمتدافعة في سياق الرواية كنهر، وبالنظر إلى أن الكتابة الروائية تحمل في أصلها رغبة للتعبير عن مساحة فكرية أو اعتقادية أو ربما هوية، وعليه يمكن التعاطي مع " حب في السعودية" كجزء من وعي ابراهيم بادي.

إذاً، هو على دراية بأن القصة العاطفية بقدر ما هي لقطة استرواحية هي في الأصل محاولة لافتكاك عقيدة شعورية لفرد أو جماعة، حيث يتجه عنوان الرواية إلى فكرة تستوطن فضاء إجتماعياً يراد له البقاء أسير تصورات انغلاقية من الوقار والنقاء، حيث تم تصميمه وفق ذائقة جماهيرية يسهل إغواءها بفكرة الفضح وهتك المستور، وحيث التصادم بشكل تلقائي وبدون مهادنة مع المعيار الأخلاقي، وعليه كادت رواية " حب في السعودية " أن تحدث اختراقاً جوهرياً في التابو لولا أنها انكتبت كتدوين عابر لليومي، غايته الإدهاش بتقنيات حداثية، ومؤثرات أسلوبية، دون تماسك جوهري يراعي تحبيك الوقائع والشخصيات.

كل ما أورده ابراهيم بادي يتوافق مع جملة من الحقائق الاجتماعية، وإن كان لا يخلو من تزوير جمالي محبب يجعل من الدناسة والفضيلة وما يترتب على تلك الثنائية الحادة من موضوعات سجالية يمكن تعاطيها خارج منظومة القيم المتعارف عليها، وهذه هي طبيعة القص في تزييف الحقيقة، بحيث تبدو الفضيلة اختباراً أبدياً لقدرات الفرد، واستحقاقاً دائماً لممكناته في مقاومة نزواته أو ما يمكن أن يتولد عن ذلك من حب جسدي، كما بدا ذلك واضحاً في شخصية ( فاطمة ) التي عرّاها بفطنة الراوي من لبوسات " مؤامرة الابتذال الصامتة " كما سمى برناردشو أخدوعات الاحتشام الأنثوية المراوغة، وكأنه قد عايش ذلك التمثل وأراد القبض عليه داخل حيلة السرد فيما يشبه التوثيق الحسي.

هكذا صمم ابراهيم بادي استراتيجية نصه " حب في السعودية " فهي رواية غير معنية برسم الخط الفاصل بين الحياة السامية وما يقابلها من الوضاعة الاجتماعية، بمقدار ما هي مهجوسة بتجسد العقيدة الذكورية، كما تتمثل في ( إيهاب ) الذي دللته أمه لتجعل منه شهريار، والذي لم تصمد أمام امتحان جنونه أي امرأة، حتى فقد توازنه بظهور خالد، ليتأكد ذلك الإعتقاد، إذ لم يكن هو الآخر سوى امتداد للتصور الذكوري في إيمانه بضرورة الحياة وسط وفرة من النساء، ولكن دون أدنى محاولة لاستبطان العواطف أو الأرواح التي تسكن أجسادهن، فهو مجرد شبح لا يتحاور من المرأة إلا بالتماس الجسدي.

وهكذا تموضعت الرواية تحت امتحان الوعي بالمرأة حتى من الوجهة الموضوعية، فالقدرة على تفحص جسد المرأة، وتحديد مقاسات حمالات صدرها مثلاً، والإعتناء بتفاصيلها الصغيرة، وحتى الالمام بوسائل مغازلتها أو الإيقاع بها، لا يعني بالضرورة وعي البطل/الراوي الكلي أو الحقيقي بالمرأة، ولا يعكس درايته الاستثنائية بهذه المرجعية الحيوية، فالمرأة هي سر الرواية، بل ان تاريخ الرواية هو تاريخ المرأة، حيث التلازم البنيوي بين المرجعيتين، كما تذهب بعض القراءات النقدية النسوية، وهو أمر يتأكد مرة أخرى مع رواية " حب في السعودية " وتأخر كل رواية عن الإقتراب من تحقيق نصاب أدبي مقنع ناجم في الأساس عن عدم معرفة بالمرأة، أو عدم مراعاة منزلتها الاجتماعية، والخوف من الخوض في خصائصها العاطفية، وهذا الأمر ينطبق على رواية ابراهيم بادي التي لم تنجح في التعريف بالمرأة بقدر ما استعرضت جانباً شهوياً من جوانبها الجسدية، وقد اختصرها في جملة من العبارات التحقيرية لعل أقساها عبارة وليد " البنت زي اللبانة - العلك - كل ما تدوس عليها تلصق زيادة ".


http://www.m-alabbas.com/index.php?show=articals&id=155
 

     

 


          مشاهدة التعليقات           إضافة تعليق          
 

 

 

 

 

 

 
الـرئـيـسـيــة
مــقـــالات
 تـحـقـيـقـات وتـقـاريـر
الــروايـــة
الـمـســرح
صـــور
عـبـر عـن رأيـك
آراء الزوار
روابـــط
للـتـواصـل
 

الرئيسية | مقالات | تحقيقات وتقارير | الرواية | المسرح | صور | عبر عن رأيك | روابط | للتواصل

(عدد الزوار :  387943)
 All Rights Reserved ® IBRAHIM BADEY
This site designed by : Megacom Technology