أجري الحديث - سيد محمود
لا يمكن للمتأمل في المشهد الروائي العربي الآن إلا أن يتوقف بالرصد والدرس أمام
الطفرة التي تعيشها الرواية السعودية منذ منتصف التسعينيات وحتي الآن وهو ما أشار
إليه البعض بـ' تسونامي الرواية السعودية' حيث إنهمر سيل غامر من الأعمال
الروائية لكتاب يمثلون أجيالا واتجاهات مختلفة وتشير الإحصائيات إلي أن العام
الماضي وحده شهد ظهور ما يزيد علي أربعين عملا روائيا لكتاب سعوديين.
وبغض النظر عن مستوي هذه الأعمال إلا أنها تؤكد أن بلدان الخليج باتت قادرة علي
إنتاج نموذجها الروائي الساعي إلي نقد المجتمع بقسوة لافتة للنظر وهو مسعي لا ينفصل
عن مسعي الروائيين العرب في السنوات الأخيرة لتكريس ظاهرة أدب 'المحاكمات
الروائية' حيث يسعي الكتاب إلي مساءلة مجتمعاتهم وتبيان ما فيها من سلبيات
وإيجابيات ويقدم التعاطي النقدي والصحفي مع رواية مثل' بنات الرياض' للكاتبة
رجاء الصانع الدليل الساطع علي شغف الناس بالتلصص علي المجتمع السعودي لا سيما وأن
هذه الرواية فتحت بابا لم يعد من السهل إغلاقه وهو الباب الذي ظل مواربا طوال سنوات
كتب فيها روائيون آخرون من أمثال غازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال ورجاء عالم
وزينب حفني ويوسف المحيميد أعمالا كانت تمهد الطريق الصعب أمام الجيل الذي يتألق
الآن وتتهافت كبريات دور النشر العربية علي أعماله الأولي.
وفي سياق السعي لاكتشاف هذه الأصوات المتمردة تحاور' الأهرام العربي' الكاتب
السعودي الشاب إبراهيم بادي صاحب رواية' حب في السعودية' التي صدرت عن دار
الآداب اللبنانية وفي طبعتين في أقل من شهر وهي تتناول قصص حب غير مكتملة يعيشها'
إيهاب' الشاب السعودي الجريء الذي يعمل في مجال المسرح الساعي إلي تغيير مجتمعه
ليقدم عبر هذه القصص بانوراما لهذا المجتمع وتناقضاته وهي رواية تثير المزيد من
الأسئلة عن السعودية التي تعلن عن نفسها الآن بوضوح يزيد من قدر الإثارة في فهم
لغزها الكبير.
وهنا نص الحوار مع الكاتب في البحرين.
* تسعي الرواية منذ صفحاتها الأولي إلي جذب نوعية معينة من القراء عبر رهانها علي
سرد المغامرات الجنسية لبطلها' إيهاب' مع عشيقته في المطاعم والمقاهي الأمر
الذي يجعل القاريء يتورط باكرا بتصنيفها في حدود' أدب المغامرات' فهل تقبل
بتصنيف الرواية في هذا الإطار؟
- تعجبني' حول العالم في ثمانين يوما' للفرنسي' جول فيرن'، وأحببت' جزيرة
الكنز' للاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن. وشاهدت حين كنت صغيرا فيلمي الكرتون
اللذين حملا العنوانين ذاتهما. تماما كما شاهدت' ماوكلي' قبل أن أعرف أنه
بطل' الغابة' لكيبلينج. ولا تنسي' أليس في بلاد العجائب' للويس كارول.
لكن صدقني لا علاقة لما أكتبه بـ' أدب المغامرات'، وإن كان هذا المصطلح ملغيا
من تصنيفاتي لأني أظن أن ما تسميه' أدب مغامرات' هو' أدب الرحلات' أو'
خيال علمي'، أو' أدب غرائبي' كالرواية الأسبانية المشهورة، حديثا،' ظل
الريح'.
ثم لم تعجبني عبارة' مغامرات جنسية'، في سؤالك. وانطلاقا من هذه العبارة،
إذن يمكنك أن تسمي كل شيء مغامرات. حتي الجلوس في البيت. كما لم يعجبني وصفك
القاطع والجازم بأن فاطمة' عشيقة'. ربما بدت وتبدو لغيرك كذلك، لكنها ربما
ليست كذلك بالنسبة إلي وإلي غيري.
الأكيد أنني لم أسع لجذب نوعية معينة من القراء. باختصار: لم أكتب' مغامرات
جنسية'! كتبت لكل من يرغب في القراءة.
* التقنية التي لجأت إليها في الكتابة تقوم في مناطق كثيرة علي' كسر الإيهام'
وتقنية' المسرح داخل المسرح' وهي تقنية مستعارة من فنون المسرح والسينما، هل
كان هذا الخيار التقني بغرض توريط القاريء في التباس كشف حدود العلاقة بين'
إيهاب' والراوي؟ رغم محاولة الإبقاء علي حد فاصل بين النصين من خلال التجاور
المقصود في فصول الرواية؟
- هل هو خيار فعلا، أم ضرورة؟ نحن أمام روائي يتصارع مع شخصيته، التي تكتب رواية
بدورها. الغرض من التقنية هنا ليس له علاقة بالقارئ، بقدر ما له علاقة ببناء
العمل، وعالم الرواية الخاص والمبتكر، والمختلف عن غيره من عوالم الروايات الأخري.
القارئ لا يحضر في ذهني، إلا حين أنجز كتابات الصور التي تتراءي لي في عالم كل
رواية علي حدة، أي حين أنوي النشر، حينها لا أظن أن التغيير في التقنية السردية
الرئيسية ممكن، لأنه سيغير العمل جذريا. بل تشذيب العمل هو الممكن، والحذف الذي
هو أساس الكتابة.
* حديثك عن الحذف باعتباره أساسا للكتابة يذكرني بتعبير شبيه للكاتب إبراهيم
أصلان الأمر الذي يدعوني لطرح سؤال عن آبائك في الكتابة؟
- إبراهيم أصلان كان مصدر هذه العبارة بالنسبة إلي،' نصا'، من خلال صديقه
وزميله، الزميل والصديق علي عطا.
أما عن آبائي فهم كل المبدعين في مجال الرواية والسينما والمسرح. كل من يكتب
مشاهد. كل من يكتب صورة. لا أوفر أحدا منهم بلا استثناء، عربي أو غير عربي.
وربما ليس من اللائق ذكر أسماء هنا ونسيان أسماء أخري. أضف إليهم كل أصحاب
الأساليب المبتكرة في كتابة وصوغ القصة والشعر والصحافة.
لكن الأكيد أنني لست نسخة من أي أحد منهم.
* ثمة شعور يسيطر علي القاريء أثناء القراءة له علاقة بصورة المرأة في الرواية التي
تبدو' مفعولا به' دائما باستثناء فاطمة التي تبدو قادمة من سياق مغايرو له
علاقة بخليفتها اللبنانية فضلا عن الأفق المتسامح لوالدها وهذه الصورة الذهنية لا
تغير من نسق القيم السائدة في مجتمع الراوي بقدر ما ترسخ له حيث تظل النماذج
الفالتة مجرد حالات فردية فيما وعي' إيهاب' ذاته وهو الراغب في كتابة الرواية
يصر علي النظر اليها كحامل لوعاء' الرغبة' إلي جانب الكشف عن تناقضاته كشخص
مأزوم؟
- حسنا... ماذا عن خلفية إيهاب المصرية- السعودية؟ هل لها دور أيضا؟ ربما.
هناك ما هو مهم برأيي، في قراءة هذه الشخصيات: إيهاب وفتياته الخمس أو الـ25
هن شخصيات في ذهن روائي داخل رواية. وهذا الروائي جزء من نسق اجتماعي غير بعيد من
نسق أفكاره. والقطع بأن المرأة تبدو' مفعولا به' دائما، في هذا العمل، أو
في بعضه، جائر. فالمسألة تعود إلي ثقافة القارئ وتراكماته. تعود إلي كيف يقرأ
العمل، وعالم الروايتين المتداخلتين(' رجل وخمس نساء'، و' أنا والرواية
وهي')؟ والسؤال الذي أطرحه أنا: هل التناقض موجود عند شخصية إيهاب فقط، أم أنه
يطاول كل الشخصيات والفضاءات، كما يطاول عالمنا الحقيقي( ربما الخيالي)؟
* نالت روايتك نجاحات كبيرة حتي إنها نفدت في اليوم الأول لمعرض الشارقة وهي
الأعلي مبيعا الآن في منشورات دار الآداب هل كنت تخطط لهذا ؟ وكيف تتلقي تعاطي
القراء مع العمل؟ وقد وضعت عنوان موقعك الإلكتروني علي العمل الأمر الذي سمح لك
بتلقي تعليقات قاسية وعنيفة ترفض جرأة الرواية في' تعرية المجتمع الديني المسلم
بهذا الشكل المهين حسب أحد التعليقات، إلي جانب إصرار البعض علي أنها' جنس في
السعودية' وليس حبا في السعودية كيف تتلقي هذه الآراء؟
- يمكنني حذف كل تلك التعليقات التي قرأتها، لكن هذه التعليقات تنشر مباشرة من دون
الرجوع إلي حتي، باختياري. وأقرأها مثل زوار الموقع، ولا أتصرف بها. من حق أي
شخص أن يضع رأيه في صفحة آراء الزوار، ومن حقهم أن يكتبوا ما يشاءون كما كتبت أنا
ما أشاء. ثم أقول دائما:' إني مهتم برد الفعل، كي أكتشف ذاتي وإذا ما كنت مع
السرب أم خارجه'. ثم من حق القارئ الذي دفع من ماله ووقته أن يعبر برأيه الصريح
لمن كلفه مالا ووقتا. وكما كانت هناك ردود تشبه تلك التي ذكرتها فهناك ما هو علي
النقيض. هذا غير الرسائل التي تصلني علي بريدي الخاص والموجود في الموقع أيضا.
وإذا لم أسمح لهم بكتابة رأيهم، لكتبوه في أمكنة أخري في الإنترنت وغيره. فليعبر
كل شخص عن رأيه، فـ' لست إلا فوضي تعبر عن نفسها'.
ثم عن نفاد الرواية من معرض الشارقة وكونها االأعلي مبيعا في دار الآداب، فهو'
رد فعل' آخر. ربما كانت المفاجأة بالنسبة إلي قرار إصدار الطبعة الثانية بعد
أقل من شهر ونصف الشهر علي صدور الرواية، خصوصا أنها لم تكن وزعت سوي في بيروت
والبحرين فقط، وكانت وصلت إلي الأخيرة بعد شهر من الصدور. يسعدني أن هناك من
يقرأ. وما يسعدني أكثر لو عرفت أن كل الروايات الجديدة تنفد من الأسواق، وليس
فقط روايتي.
* هناك سؤال عام آخر يتعلق بتفسيرك الشخصي للطفرة التي تعيشها الرواية السعودية
ومبرراتها: هل تعود إلي رغبة دور النشر العربية في استثمار النجاحات التي تحققت
بفضل القوي الشرائية الكبيرة لسوق القراءة في السعودية أم أن هناك مبررات موضوعية
تقف خلف هذا التسابق المحموم بين كتاب من أجيال مختلفة لتقديم عطاء في هذا المجال
الغني؟
- لا علاقة للطفرة الروائية بدور النشر العربية. كما أن القوي الشرائية الكبيرة
للكتب الممنوعة في السعودية، ليست أمرا جديدا، لكن إبرازها إعلاميا هو الجديد.
لا يمكن تجاهل أن دور النشر، مؤسسات تجارية، ويهمها الربح طبعا، لكن دور النشر
العريقة تهمها السمعة أيضا ولن تجري وراء كل غثاء. فهناك اسم تحافظ عليه حتي أمام
المال، فـ' دار الآداب'، مثلا، لم تنشر في تاريخها، حتي الآن، إلا أربع
روايات سعودية فقط، من كل هذه الطفرة ومما سبقها في أكثر من ربع قرن: لرجاء
عالم (نهر الحيوان) ولبدرية البشر (هند والعسكر) ولليلي الجهني (جاهلية،
و'حب في السعودية'. وهذا الكلام ينطبق علي دور نشر أخري في كل الدول. لكن
هناك دور نشر في السعودية، تنشر أعمالا ضعيفة جدا، مقابل أن يدفع الراوي، تماما
كما في كل الدول. إذ نشر في 2006 في السعودية فقط نحو20 رواية، بعضها وعظي
صريح، ونحو مثل هذا العدد صدرت روايات سعودية، خارج السعودية في دول مختلفة، في
العام ذاته. أي أكثر من40 رواية في عام.
من كل هذا الكلام، برأيي هذه الطفرة ناتجة من شبان وفتيات يريدون الكلام. تعبوا
من السكوت. بكل أيدولوجياتهم. وبعضهم لا يعي أصلا ماهية أي كتابة أدبية وربما
لا يتجاوز ما قرأه 10 كتب. لكن الواحد منهم يعتقد أن لديه ما يستحق أن يحكي،
لذلك يدفع حتي ينشر حكايته. ما يعكس وعيه ووعي كثيرين مثله.
ثم فليكتب من يشاء أن يكتب، وليدفع من يشاء أن يدفع، وليتعلم القارئ كيف يبحث عما
يناسبه سواء باسم دار النشر أم بالقراءة والبحث في الصحف وفي غيرها. وإلا لماذا
وجد النقاد ووجد الصحفيون، والإعلام.
الأمر بكل بساطة: هناك مجتمع يتشكل، وهناك مخاض روائي، نمر في مراحله الأولي،
بعد النطفة والعلقة التي تجاوزناها في فترة ما قبل 11 سبتمبر.