سيلفانا الخوري
قد تكون رواية "حب في السعودية" للسعودي ابراهيم بادي، من أكثر الروايات الجديدة
والمكتوبة بأقلام شابة، تجذراً في الراهن العربي العام والخليجي خصوصاً. ليس
لقدرتها على عكس ما يحدث داخل هذه المجتمعات وتصوير التحولات التي يعيشها الأفراد،
وهذا شأن سنتناوله في ما بعد، إنما لأنها تحاول فعل ذلك بلغة من صلب الزمن هناك،
نبضاً ووتيرة، آفاقاً وإشكاليات. لغة تربطها لحمة حميمة مع نزوع عام الى واقعية
سلبية ومستلَبة، نسخية وتسجيلية من نوع "تلفزيون الواقع" تكتفي فيها يد الكاتب -
المخرج بتأمين اطار مبتكر لحوادث خام.
يكتب بادي روايتين داخل الرواية: ثمة أولاً الراوي الذي يكتب رواية "رجل وخمس نساء"
واعداً بأنها ستكون الأجرأ والاكثر صدماً، ومتوقعاً ان تدفع به تحت الاضواء وان
تحقق اعلى المبيعات. ثم هناك ايهاب بطلها الذي يقرر بدوره ان يكتب رواية عنوانها "انا
والرواية وهي" يفضح فيها حبيبته فاطمة انتقاماً مما يعتبره خيانة له. يقول ايهاب: "انا
لا اكتب رواية تستحق ان تُقرأ. أنا أفضح فقط". انطلاقاً من هذه العبارة – المفتاح،
يمكن مقاربة التقنية التي يعتمدها بادي وتقتضي الدخول الى الكتابة من بابها الخلفي،
في عملية التفاف على الذات تستبق رد الفعل الخارجي بتبنّيه على شكل تقنية معاكسة.
وهنا تكمن نقطة القوة في الرواية، في هذا المونتاج الموجود فقط بغرض إلغاء ذاته.
هكذا، ندخل الى المطبخ الروائي مع هذا الشاب (الراوي)، ونتعرف الى بروفيل لكاتب
يشغله همّا الشهرة والجرأة، فيقول على سبيل المثال معلّقاً على احد المشاهد التي
انتهى من كتابتها: "الآن، لا مجال للشك في جرأتي. وصفتُ بدقة ما دار بين إيهاب
وفاطمة. ربما أكون راوياً متعجرفاً، نرجسياً! لكن، ألن تحقق حياة إيهاب مبيعات
خيالية، وقياسية؟ ألن تحقق إقبالاً هائلاً على قراءتها ومعرفة تفاصيلها المجنونة؟".
نتابع كذلك عملية الكتابة لديه والمقارنات التي يقيمها مع روايات اخرى من جيله،
فضلاً عن خوفه من ان يعتبر الناس ما يكتبه سيرة ذاتية. الا ان الاهم يبقى خوفه من
الرواية التي يقرر بطله كتابتها: "اصلاً لن يكتب ايهاب رواية. لأنني لن أكتبها. هو
يفعل ما امليه عليه".
على وقع تداخل الروايتين وتصادمهما والصراع بين كاتبيهما، ومن خلال القصة المركزية
وهي العلاقة الجَموحة والشبقة بين ايهاب وفاطمة، وعلى هامشها علاقات ايهاب بمنال
وهتون وديان ودنيا وسواهن، تنكشف الصلات المبتورة لشخصيات متنازعة بين جنوحها
المتعيّ من ناحية، والقيود الاجتماعية التي تحاصرها في "بلاد الطهر" من جهة ثانية.
سنرى كذلك كيف تتشكل الصورة التي يحاول كل فرد بناءها في عيون الآخرين طبقاً لما
يتوقعونه منه، مما سينجم عنه صراع مأزوم بين ما هم عليه، وما يريدون ان يكونوه، وما
هو مفروض عليهم.
الا ان المأزق الأكبر، يبقى الحب الذي يحاول تحقيق ذاته في شوارع السعودية ومطاعمها
ومقاهيها وبيوتها، واللذة المرفدة بتولّه جنسي حاد يتحايل على "الخلوات الشرعية" في
لحظات مسروقة خلف الستائر والجدران والاسماء المستعارة في مواقع الدردشة. النتيجة:
ازدواجية حادة بين الخطاب المعلن والممارسة اليومية، بين التقاليد الخانقة
والمحاولات المرتبكة للخروج عليها. هذه كلها تأخذ في النهاية شكل اسلوب للحياة حيث
الواعي والمعيش غير متصالحين مع المضمَر واللاواعي، وهذا ما تفضحه عبارات من نوع:
"ليس ذنباً طالما اننا نفعل ذلك من دون ان نخلع ملابسنا"، او: "قالت انها ليست
عذراء! رفض الفكرة التي قصدتها بتلميحها. ضحكت حين عرفت انه يعتبر هذا زنى. اكتفت
بما يوافق على فعله"، فضلاً عن تكرار جمل: "ما فعلناه" و"يفعلانها" و"فعلا ذلك"
و"فعلاها" في صيغ شتى، مثل لازمة تحوي كل التابو الخانق.
عند هذا المستوى، لا تخون الرواية عنوانها، بحيث تكاد تكون صرخة استغاثة من جيل
يعيش تمزقاً ناتجاً من ازدواجية الحب والجنس، ولا يجد بيئة صحية يحقق فيها تفتحه
العاطفي والفكري والغرائزي على السواء. هنا، تبرز صورة بيروت التي يقدمها بادي
كنموذج للمدينة البديلة: "في بيروت حبّ يحيا. هناك لا تحيا سوى الذكورية" يقول.
يلفت في هذه النظرة تمايزها عن تلك التي شاعت بعد الحرب وتحديداً من جيل من
اللبنانيين (او حتى من عرب "بيروتيي" الهوى) شعر بأن المدينة الجديدة بمقاهيها
ومطاعمها ونواديها الليلية وشوارعها باتت غريبة عنه ولم تعد تشبهه. اما هنا، فنلمس
شعوراً بالانتماء الطبيعي لنموذج الحياة الجغرافي والعمراني والانساني كما تقدمه
هذه ال"بيروت" لجيلٍ شاب، فنقرأ: "احلّق بها فوق السعوديين والخليجيين في مطاعم
السوليدير ومقاهيها. أحلّق فوق اللبنانيين الجالسين في "الدونكن دونات" والمستلقين
على درج "الجنينة"، والجالسين على رصيف ساحة النجمة. أنا في حضنها في السماء فوق
ساحات وسط بيروت التجاري. تظهر قبة سينما سيتي بالاس المهجورة والكنيسة القريبة من
ساحة النجمة، ومآذن جامع محمد الامين وأبنية مجمّع اللعازارية التجاري ومواقف
السيارات".
الا انه بعيداً من هذه الاشارات، سوف يظل الكاتب دون القدرة على شحن الرواية
بالتوتر الوجودي الكافي. اما عينه اللاقطة فلن تنجح في رصد المخبوء واعادة انتاجه
بما يكفل تظهير تعقيداته الانسانية الحارة في اشكالها واشكالياتها المختلفة. وكلما
تقدمت، سوف تسقط الرواية اكثر في مأزق الدوران في حلقة مفرغة من التكرار والاستعادة
المجانيين. وبين الاطار العام الذكي والمحتوى البارد، سوف نشعر اننا ازاء نص لا
تنقصه "الحربقة" على صعيد ابتداع الشكل الخارجي والحراك الحر في ما خص تقنيات
الكتابة والاساليب السردية واللغوية، في حين يظل الخطاب العام عاجزاً عن ادراك ما
هو تحت الطبقات الاولى.
في العودة الى الشأن التقني، لا بد من التوقف عند مسألة اللغة، اذ يُسجَّل لبادي،
ابن الستة والعشرين، نجاحه في الاصغاء الى نبض هذا الزمن وايقاعه ووتيرته، واعادة
انتاجها كلها على شكل لغة لن اقول "تشبهه" انما هي جزء منه. لغة وصفية وتسجيلية،
فجة احياناً ومباشرة دوماً. اللغة ال"تراش" المستخدمة في غرف الدردشة والتي تُسقط
عن ذاتها كل أسلبة جمالية لتبدو اكثر سرعة وعملانية، لكن خصوصاً اكثر فجاجة
وترويساً. ذلك كله في جمل قصيرة، تقتصر على فعل واحد احياناً، تقول كلمتها وتمشي،
كما سنلمس في هذا المقطع الذي يمكن اعتباره من افضل مقاطع الرواية على المستوى
الفني: "طلب منها ان تقف. نظرت اليه. كرر طلبه. وقفت ببطء. لم تتحرك. وقفت فقط.
اقترب منها. رجعت الى الوراء، عرقلتها الكنبة. جلست. سحبها. وقفت. حضنها. بدأ في
تقبيل رقبتها. شعرت بشيء يتحرك. مدّت يدها من دون شعور وبسرعة. مدّتها الى بنطلونه.
تفاجأ. توقف عن تقبيلها. سألته: "ما هذه العظمة؟". ابتسم ونظر اليها. رفعت يدها
بسرعة. دفعته، وشهقت. شهقت بقوة. ضحك. احمرّ وجهها. ضحكا كثيراً. لن ينسيا ذلك.
ستقسم انها كانت تظنه مشوهاً".
يمكن وضع رواية "حب في السعودية" ضمن الموجة الروائية الخليجية الشابة التي نشهدها
منذ بضع سنوات، وتجمعها محاولات متفاوتة النجاح فنياً في الكشف عن خبايا مجتمع غارق
تحت الف حجاب وحجاب. الا ان في ذلك تجاهلاً لأهم ما فيها وهو البعد التقني واللغوي
تحديداً الذي يمكن ان نضعه ضمن محاولات، لا تزال في طورها الاول، من روائيين شباب
يسعون الى إيجاد لغة تشبههم، يقولون فيها ذاتهم والعالم من حولهم. في هذا الاطار،
قد تكون تجربة اللبناني سامر ابو هواش في رواية "عيد العشاق" (2005) من بين التجارب
الشابة الاكثر نجاحاً من حيث تمكنها من ان تضخ في هذه اللغة الجديدة رؤية وجودية
اكثر نضجاً وعمقاً وقدرة على الحفر في مخبوءات هذا الزمن، بلغة مستلّة من داخله.
اما في شكل عام، فتبدو هذه اللغة عاجزة الى الآن ان تقول سوى نفسها. فهل تتمكن ذات
يوم من قول ما هو أكثر؟
http://www.annaharonline.com/htd/EDU070221-1.HTM